السيد عباس علي الموسوي
378
شرح نهج البلاغة
وتبينت معالمها فمن كانت له أعارته محاسن غيره ، ومن كانت عليه سلبته حتى محاسن نفسه ، هكذا قال علي في إحدى كلماته وهكذا واقع الحال والمشاهد للعيان . . . فهناك أناس قد أنزلهم الدهر من عليائهم فأسقط تيجانهم وشدد عليهم حتى أحوجهم إلى أن يمدوا أيديهم للاستجداء والاستعطاء ، وهناك أناس رفعهم الدهر من الحضيض ، من أسفل طبقات المجتمع والحياة إلى عز لا يدانيه عز . . . فقد كان هناك من يعرف الإمارات العربية ، ويعرف تلك الوجوه القديمة التي كان أصحابها يركضون خلف البعير في حر الهجير ليردوّه إلى حظيرته . . . وهناك من كان يطارد الجراد ليجمعه ويدخره لموسم الشتاء . . . وهناك من لم يعرف القميص ولا السروال . . . ثم مد اللّه لهم في طغيانهم وأنزل نعمه عليهم ليعرفهم حقيقتهم ويقررهم على ظلمهم . . . وهكذا دواليك في غيرهم . . . والإمام هنا يريد أن يقول لنا استغلوا حالة سلام الدهر معكم ولا تحاربوه أو تكلفوه فوق ما تقدرون وقد قال الشاعر : ومكلّف الأيام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار فإذا سهلت الأيام وذل الدهر فيجب أن يتحين الإنسان الفرصة لاستغلالها والاستفادة منها بمقدار طاقاته ولا يتكلف أكثر من ذلك فإنه لن يستطيع ، ولا يحمل نفسه هما وغما بل كل شيء يأتي في وقته ويدركه الإنسان في أيامه . . . الرابع : قوله عليه السلام : ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه . العقلاء يسيرون في طريقتهم الحياتية على ضمان النتيجة أو اعتقاد ضمانها أو الظن القوي فيها ، ولكنهم لا يقدمون على عمل فيه احتمال المنفعة أو رجاء الربح خصوصا إذا كان ما يبذل مقابل هذا الاحتمال كبير كمن يخاطر للحصول على ماية بدفع التسعين فإن المخاطرة بالتسعين قد تأتي عليها وتذهب بها وهذا عمل غير عقلائي . . . وقد استعمل السفهاء اليانصيب وروجّوه بين الناس فمن بين آلاف الأوراق تربح عدة أوراق منها والباقي كلها تذهب هدرا ، فمن يخاطر بعشر ليرات مقابل المبلغ المعلوم ويبذلها لاحتمال الربح ، فإنه يقدم على عمل غير طبيعي ، وكم سمعنا أو رأينا أشخاصا قد مضى شطر كبير من أعمارهم يشترون من هذه الأوراق دون أن يربحوا ولو فلسا واحدا . . . الخامس : قوله عليه السلام : وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج . اللجاج في الخصومة يفسد الحق ويشوش الرؤية السليمة فإذا كنت ذا حق فتأن في طلبه والوصول إليه ، يجب عليك أن تسعى بهدوء ولين في طلبه . . . فإذا اعتذر صاحبك